‏إظهار الرسائل ذات التسميات المعاصي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المعاصي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 4 أبريل 2013

خطبة الجمعه مكتوبه عن النار والحرها


خطبة عن النار والحرها

الحمدُ لله خلَق الإنسانَ ولم يكن شيئًا مَذكورًا، صوَّره فأحسَن صورتَه فجعله سميعًا بصيرًا، أرسَل إليه رسلَه وأقام عليه حجَّته وهداه السبيلَ إمَّا شَاكرًا وإمّا كفورًا، أحمَده سبحانَه وأشكره شكرَ من لم يرجُ من غيرِه جزاءً ولا شكورًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له إنّه كان حليمًا غفورًا، وأشهد أنّ سيّدنا ونبينا محمَّدًا عبد الله ورسوله، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة وعبد ربَّه حتى تفطّرت قدماه فكان عبدًا شكورًا، صلّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آلِه وأصحابه رجالٍ صدقوا ما عاهَدوا الله عليه فكان جزاؤهم موفورًا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان صلاةً وسلامًا وبركات دائمات رَواحًا وبُكورًا.وسلم تسليما كثيرا
أيُّها المؤمنون: اوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى وطاعته واحذركم من مخالفته معصيته واوصيكم دائما وابدا بالاحسان الى اولالدين وطاعتهما والرفق بهما فهما جنتك ونارك فمن خالف وعصى والديه فقد عصى الله واعبدوا الله ولا تشركوا بها شيئا وبالوالدين احسانا ..
أايها الاخوة المومنون : ابارك لكم اولا بقدوم شهر رجب الحرام وهو احد الاشهر الحرم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر امتي فاغتنموا رحمكم الله هذا الشهر بصالح الاعمال والاجتهاد في العبادة والطاعة واعمال البر والخير والصلاح ولا تظلموا فيه انفسكم بارتكاب المعاصي والاثام ان الله كان بكم رحيما ميز الايام بعضها عن بعض ورفع بعضها فوق بعض رحمة بكم ورافة بكم لكي تتذكروا سرعة مرورها وتتزودوا منها بوسائل النجاة والفلاح والسعادة في الدنيا والاخرة ...
ايها الاخوة المومنون ها نحن الان نعيش في فصل الصيف وهو احد الفصول الاربعة والتي تحويها السنة الشمسية وياله من فصل عظيم في اثره بليغ في موعظته لو تفكرنا فيه قليلا وامعنا النظر في هذا الفصل وما يعتريه من شدة الحر وما يتصف به من حرارة وتقلبات في الجووالذي يتمنى فيه الانسان لو لم يكن هناك حرا اصلا يريد الانسان ان تكون السنة كلها بردا وسلاما وجوا لطيفا منعشا لكي ترتاح نفسه ويهنا عيشه ويتلذذ بشهواته ويتمتع بملذاته فيصول ويجول كيفما شاء الا ترون ايها الاخوة كيف يفر الناس من شدة الحرارة في بلادهم الى بلاد اكثر بردا واحسن جوا وافضل حالا وطقسا انهم لا يتحملون الحر انهم لا يطيقون الحرارة انهم لا يريدون حرا شديدا ولا بردا شديدا انهم يفرون من الحر وليتهم كذلك يفرون من الحر البسيط في الدنيا ولكنهم يتسابقون الى الحر الشديد في الاخرة انهم يفرون من حر لا يؤثر في جلودهم ولا يمزق احشاءهم ولا يقطع اوصالهم انه حر بسيط تقتضيه المنفعة الدنيوية ومصالح الناس الحيوية ولكنه مع ذلك لا نريده ونفر منه فرار المجذوم والمبوء ولولا ما انعم الله علينا من اجهزة ومراوح تبرد لنا الاجواء وتلطف لنا الارض والسماء لقلنا في انفسنا اننا من الهالكين ومن رحمة ربنا من القانطين .. فيالها من موعظة بليغة وتذكرة عظيمة لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد الا تتذكرون شيئا مهما في حياتكم بهذا الحر الا تتذكرون شيئا عظيما في اخرتكم بهذه الحرارة في الدنيا الا تحدثون انفسكم ولو خلسة ولو صمتا كيف نصبر على الحر اذا كنا في الدنيا لا نطيقه وهو اهون ما يكون ولا يقاس بما سيكون فكيف سنصبر على الحر عندما يكون ومتى سيكون الا تتذكرون بهذا الحر البسيط ذلك الحر الشديد والعياذ بالله الا تتمنون ان لا تدركوا ذلك الحر العظيم والحر الشديد في يوم لا تكييف فيه ولا مراوح ولا تبريد ولا ناصر ولا معين الا تتذكرون بهذا الحر ذلك الحر الشديد كيف تنجون انفسكم وكيف تهربون بجلدكم من ذلك الحر كيف تتصرفون في دنياكم وكيف تستعدون لاخراكم ...
ان حديثنا اليوم هو حديث المناسبة مناسبة الحر وفصل الصيف نتذكر ذلك الحر الشديد في الاخرة يوم تبلى السرائر وتكشف الضمائر وتؤتى كل نفس بزمامها وتقاد بخطامها ويوضع الكتاب بين يديها فتقول ياويلتا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها ذلك اليوم الذي سيشهد عليك سمعك وبصرك ستشهد عليك رجلك ويدك ولسانك ما اعظمه من يوم وما اشده من يوم وما احوجنا ان نتذكره اليوم وكل يوم نتذكر واياكم ذلك الحر الذي سناله فئة من الناس ولا ندري من منا سيكون معهم او منهم والعياذ بالله نتذكر ذلك الحر ليكون ذلك قامعا للنفوس عن شهواتها وفسادها، وباعثا لها على المسارعة إلى فلاحها ورشادها، فإن النفوس ولا سيما في هذه الأزمان قد غلب عليها الكسل والتواني، واسترسلت في شهواتها وأهوائها وتمنت على الله الأماني، والشهوات لا يذهبها من القلوب إلا أحد أمرين إما خوف مزعج محرق أو شوق مبهج مقلق، وقد قيل للحسن: يا أبا سعيد، كيف نصنع؟ نجالس أقواما يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير، فقال: والله، إنك أن تخالط قوما يخوفونك حتى يدركك الأمن، خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى يدركك الخوف.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال(إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم) استمعوا الى لفظ الحديث فان شدة الحر من فيح جهنم أي ان هذا الحر الشديد الذي تفرون منه في الصيف انما هو فيح جهنم وليس لهيبها او حرارتها انما هو وهج ونفس تتنفسه فما بالكم بحرارة جهنم وشدتها كيف تكون ان ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار حهنم – جاء في الحديث - فيا ويله من كانت النار ماواه ومستقره اذا كان لا يتحمل نار الدنيا ولهيبها وحرارتها وهي جزء واحد من سبعين جزءا من نار جهنم فكيف يصبر ويتحمل نار الاخرة نار العذاب والعقاب لمن صم اذانه عن الحق لمن عميت بصيرته عن الهدى لمن اتبع هواه فتردى وقالوا المساكين لو كنا نسمع او نعقل ما كنا في اصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير لماذا وانتم الان في زمن الامهال في زمن العمل في زمن الراحة لماذا تتسابقون الى النار والرسول يدعوكم ويناديكم ويحذركم من النار الم تسمعوا قوله تعالى: إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ تكاد تميز من الغيظ – الم تسمعوا قوله تعالى عن النار - إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً,- ان الذين يهربون من هذا الحر الدنيوي عليهم أن يفكروا بعقولهم، فمن الغباء أن يهرب الإنسان من الأخف إلى الأشد، وصدق الله جل جلاله إذ يقول: وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ في ٱلْحَرّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ 0إذاً، اشتداد الحر في هذه الحياة إنما هو من نَفَس النار، من شدة حرها، يخوف الله تعالى به عباده، ويذكر به من يتذكر ليتعظوا وينـزجروا عما هم فيه من غفلة وإعراض عن الله تعالى.
اتعرفون حال اولئك الذين حقت عليهم كلمة العذاب وادخلوا النار اتدرون كيف حالهم ومالهم وكيف هي احولهم في تلك النار انها شر حال، وهوانهم أعظم هوان، وعذابهم أشد عذاب، وما ظنك بقوم قاموا على أقدامهم خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا فيها شربة حتى انقطعت أعناقهم عطشا واحترقت أكبادهم جوعا، ثم انصرف بهم إلى النار، فيسقون من عين آنية قد آذى حرها واشتد نضجها، فلو رأيتهم وقد أسكنوا دار ضيقة الأرجاء مظلمة المسالك مبهمة المهالك، قد شدت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي، يسحبون فيها على وجوههم مغلولين، النار من فوقهم، النار من تحتهم، النار عن أيمانهم، النار عن شمائلهم، لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف: 41]، فغطاؤهم من نار وطعامهم من نار وشرابهم من نار ولباسهم من نار ومهادهم من نار، فهم بين مقطعات النيران وسرابيل القطران وضرب المقامع وجر السلاسل، يتجلجلون في أوديتها، ويتحطمون في دركاتها، ويضطربون بين غواشيها، تغلي بهم كغلي القدور، وهم يهتفون بالويل ويدعون بالثبور، يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج: 19-22]، يتفجر الصديد من أفواههم، وتتقطع من العطش أكبادهم، وتسيل على الخدود عيونهم وأهدابهم، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء: 56]، أمانيهم فيها الهلاك وما لهم من أسرها فكاك، فما حال دار أماني أهلها إذا تمنوا فيها الموت؟! ما حال دار إذا تمنى أهلها تمنوا أن يموتوا؟! كيف بك لو رأيتهم وقد اسودت وجوههم؟! فهي أشد سوادا من الحميم، وعميت أبصارهم وأبكمت ألسنتهم وقصمت ظهورهم ومزقت جلودهم وغلّت أيديهم إلى أعناقهم وجمع بين نواصيهم وأقدامهم، يمشون على النار بوجوههم، ويطؤون حسك الحديد بأحداقهم، ينادون من أكنافها ويصيحون من أقطارها: يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد حق علينا الوعيد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك قد تفتتت منا الكبود، يا مالك العدمُ خير من هذا الوجود، يا مالك ليقض علينا ربك فيجيبهم بعد ألف عام بأشد وأقوى خطاب وأغلظ جواب: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: 77، 78]، فينادون ربهم وقد اشتدّ بكاؤهم وعلا صياحهم وارتفع صراخهم: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون: 106، 107]، فلا يجيبهم الجبار جل جلاله إلا بعد سنين، فيجيبهم بتوبيخ أشد من العذاب: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108]، فعند ذلك أطبقت عليهم وغلقت، فيئس القوم بعد تلك الكلمة أيما إياس، فتزاد حسراتهم وتنقطع أصواتهم، فلا يسمع لهم إلا الأنين والزفير والشهيق والبكاء، يبكون على تضييع أوقات العمر، ويتأسفون أسف أعظم من المصاب، ولكن هيهات هيهات ذهب العمل وجاء العقاب. وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر: 36، 3
، وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [إبراهيم: 49-52].
اللهم إنه لا طاقة لنا بعقابك، ولا صبر لنا على عذابك، اللهم فأجرنا وأعتقنا من نارك، رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان: 65/ 66].
بارك الله لي ولكم في القران العظيم ..........
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان الا على الظالمين نحمده تعالى ونشكره ونشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ونشهد ان سيدنا محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله اللهم صل وسلم عليه وعلى اله واصحابه واتباعه وسلم تسليما كثيرا اما بعد :
جاء في الحديث:عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( مَثَلي كمثل رجل استوقد ناراً فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذا الدواب التي في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتفحَّمن فيها، قال: ذلكم مَثَلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني تُقحمون فيها } [رواه مسلم فاياك ان تفر من الحر البسيط الى الحر الشديد فان حر الدنيا اهون عليك من حر الاخرة ان حر الدنيا يمكن ان تتقيه وتخفف منه ولكن حر الاخرة اشد واقوى ولا مفر منه ولا حاجز عنه ولا مخفف لك عنه شيئا فاياك ان تهرب من الحر لترتكب الذنوب والمعاصي والاثام وتطلق العنان لشهواتك وغرائزك المكبوتة في سياحة اثمة وبلاد باردة وليتها ما كانت وليتك كنت في حر بلدك اهون عليك من برد يزول وشهوة عابرة تورث الحر الشديد والعقاب الاليم ..
ذكر النبي النار فتعوّذ منها، وأشاح بوجهه، ثم ذكر النار فتعوّذ منها، وأشاح بوجهه، ثم قال: { إتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة } [رواه البخاري].
هذا وصلوا وسلموا على امام المرسلين .....
اللهم ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ان عذابها كان غراما انها ساءت مستقرا ومقاما

خطبه الجمعه مكتوبه بعنوان الخشيه من الله

خطبه الجمعه مكتوبه بعنوان الخشيه من الله


ضع مقدمه مناسبه هنا
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله تعالى وخافوه واخشوه وحده ولا تخشوا أحدا غيره وكما قال الفضيل: من خاف الله لم يضره أحد، ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد قال تعالى:   فلا تخشوا الناس واخشون ،   فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين  .
أيها الإخوة: سوف يكون حديثي في هذه الخطبة عن مقام الخوف من الله عز وجل وسبب اختياري لهذا الموضوع هو ما أراه وأشاهده من بعد الناس عن الله وتجرؤهم عليه بأنواع المعاصي والذنوب التي ما ارتكبها هؤلاء الناس إلا بسبب ضعف جانب الخوف من الله في قلوبهم وبسبب غفلتهم عن الله ونسيان الدار الآخرة، فالخوف من الله هو الحاجز الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة وقلّ أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دفعات الهوى والشهوة والغفلة فالخوف هو الذي يهيج في القلب نار الخشية التي تدفع الإنسان المسلم إلى عمل الطاعة والابتعاد عن المعصية.
ولهذا إذا زاد الإيمان في قلب المؤمن لم يعد يستحضر في قلبه إلا الخوف من الله، والناس في خوفهم من الله متفاوتون ولهذا كان خوف العلماء في أعلى الدرجات وذلك لأن خوفهم مقرون بمعرفة الله مما جعل خوفهم مقرون بالخشية كما قال تعالى:   إنما يخشى الله من عباده العلماء  والخشية درجة أعلى وهي أخص من الخوف، فالخوف لعامة المؤمنين والخشية للعلماء العارفين وعلى قدر العلم والمعرفة تكون الخشية، كما قال النبي  : ((إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية)) وقال: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)) قال الإمام أحمد: هذا يدل على أن كل من كان بالله أعرف كان منه أخوف. والخوف: هو اضطراب القلب ووجله من تذكر عقاب الله وناره ووعيده الشديد لمن عصاه والخائف دائما يلجأ إلى الهرب مما يخافه إلا من يخاف من الله فإنه يهرب إليه كما قال أبو حفص: الخوف سراج في القلب به يبصر ما فيه من الخير والشر وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله عز وجل، فإنك إذا خفته هربت إليه. فالخائف هارب من ربه إلى ربه قال تعالى:   ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ، قال أبو سليمان الداراني: ما فارق الخوف قلبا إلا خرب. وقال إبراهيم بن سفيان: إذا سكن الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها.
وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا الطريق. وقال أبو حفص: الخوف سوط الله، يقّوم به الشاردين عن بابه.
والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه ويبن محارم الله عز وجل فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيميه: الخوف المحمود: هو ما حجزك عن محارم الله وهذا الخوف من أجلّ منازل السير إلى الله وأنفعها للقلب وهو فرض على كل أحد.
ومن كان الخوف منه بهذه المنزلة سوف يحجزه خوفه عن المعاصي والمحرمات فلا يأكل مالا حراما ولا يشهد زورا، ولا يحلف كاذبا، ولا يخلف وعدا ولا يخون عهدا ولا يغش في المعاملة ولا يخون شريكه ولا يمشي بالنميمة، ولا يغتاب الناس ولا يترك النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يزني ولا يلوط ولا يتشبه بالنساء ولا يتشبه بالكفرة أعداء الدين ولا يتعاطى محرما ولا يشرب المسكرات ولا المخدرات ولا الدخان ولا الشيشة ولا يهجر مساجد الله ولا يترك الصلاة في الجماعة ولا يضيع أوقاته في اللهو والغفلة بل تجده يشمر عن ساعد الجد يستغل وقته كله في طاعة الله ولهذا قال  : ((من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل ألا وإن سلعة الله غالية ألا وإن سلعة الله هي الجنة)) رواه الترمذي وهو حديث حسن والمراد بهذا الحديث التشمير في الطاعة والاجتهاد من بداية العمر لأن الجنة غالية تحتاج إلى ثمن باهظ ومن سعى لها وعمل صالحا وسار من أول الطريق نال بغيته إن شاء الله.
ولهذا كان السلف الصالح يغلّبون جانب الخوف في حال الصحة والقوة حتى يزدادوا من طاعة الله ويكثروا من ذكره ويتقربوا إليه بالنوافل والعمل الصالح.
أيها الإخوة: إن رجحان جانب الخوف من الله في قلب المؤمن هو وحده الذي يرجح الكفة وهو وحده الذي يعصم من فتنة هذه الدنيا وبدون الخوف لا يصلح قلب ولا تصلح حياة ولا تستقيم نفس ولا يهذب سلوك وإلا فما الذي يحجز النفس البشرية عن ارتكاب المحرمات من زنى وبغى وظلم وركون إلى الدنيا غير الخوف من الله، وما الذي يهدئ فيها هيجان الرغائب وسعار الشهوات وجنون المطامع؟ وما الذي يثبت النفس في المعركة بين الحق والباطل وبين الخير والشر؟ وما الذي يدفع الإنسان إلى تقوى الله في السر والعلن سوى خوف الله، فلا شيء يثبت الإيمان عند العبد رغم الأحداث وتقلبات الأحوال في هذا الخضم الهائج إلا اليقين في الآخرة والإيمان بها والخشية والخوف مما أعده الله من العذاب المقيم لمن خالف أمره وعصاه. فتذكر الآخرة في جميع الأحوال والمناسبات والظروف يجعل عند الإنسان حسا مرهفا يجعله دائم اليقظة جاد العزيمة دائم الفكر فيما يصلحه في معاشِه ومعادِه كثير الوجل والخوف مما سيؤول إليه في الآخرة، ففي كتاب الزهد للإمام أحمد عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قلت ليزيد! ما لي أرى عينيك لا تجفّ؟ قال: يا أخي إن الله توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار، والله لو توعدني أن يسجنني في الحمام لكان حريا أن لا يجف لي دمع.
وروى ضمرة عن حفص بن عمر قال: بكى الحسن البصري فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أخاف أن يطرحني في النار غدا ولا يبالي. ولهذا من خاف واشتد وجله من ربه في هذه الدنيا يأمن يوم الفزع الأكبر فعن أبي هريرة   عن النبي   فيما يرويه عن ربه جل وعلا أنه قال: ((وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين: إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة)) رواه أبن حبان في صحيحه.
أيها الأخوة: لقد عاش المسلمون الذين تلقوا هذا القرآن أول مرة عاشوا مشاهد الآخرة فعلا وواقعا كأنهم يرونها حقيقة ولم يكن في نفوسهم استبعاد لذلك اليوم بل كان يقينهم بذلك اليوم واقعا تشهده قلوبهم وتحسّه وتراه وتتأثر وترتعش وتستجيب لمرآه ومن ثم تحولت نفوسهم ذلك التحول وتكيفت حياتهم على هذه الأرض بطاعة الله وكأن النار إنما خلقت لهم قال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأن النار لم تخلق إلا لهما. وحق لهما أيها الإخوة ولكل مؤمن أن يخاف من النار وأن يستعيذ بالله منها لأن الخبر ليس كالمعاينة يقول : ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد)) رواه مسلم وقال في وصف النار محذرا منها: ((نار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار جهنم)) ولهذا كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم إذا رأى أحدهم نارا اضطرب وتغير حاله فهذا عبد الله بن مسعود   مر على الذين ينفخون على الكير فسقط مغشيا عليه وهذا الربيع بن خثيم رحمه الله مر بالحداد فنظر إلى الكير فخر مغشيا عليه، وكان عمر بن الخطاب   ربما توقد له نار ثم يدني يديه منها ويقول: (يا ابن الخطاب هل لك صبر على هذا). وكان الأحنف رضي الله عنه: يجئ إلى المصباح بالليل فيضع إصبعه فيه ثم يقول: (حس، حس ثم يقول يا حنيف، ما حملك على ما صنعت يوم كذا وكذا يحاسب نفسه) وفي الحديث: ((حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم)).
أيها الاخوة :إن أمر القيامة أمر عظيم رهيب، يرجّ القلب ويرعب الحس رعبا مشاهده يرجف لها القلوب والله سبحانه أقسم على وقوع هذا الحادث لا محالة فقال في سورة الطور   إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع   فهو واقع حتما، لا يملك دفعه أحد أبدا والأمر داهم قاصم ليس منه دافع ولا عاصم كما أن دون غد الليلة، فما أعددنا لذلك اليوم، وما قدمنا له وهل جلس كل منا يحاسب نفسه ما عمل بكذا وما أراد بكذا بل الكل ساهٍ لاه، والكل في سكرته يعمهون ويلعبون ويضحكون ويفسقون ويفجرون وكأن أحدهم بمنأى من العذاب وكأنهم ليس وراءهم موتا ولا نشورا ولا جنة ولا نارا  ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين  يقول الحسن البصري رحمه الله: (إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي ما أردت بحديثي، وإن الفاجر يمضي قدما ما يعاقب نفسه). فحقيق بالمرء أن يكون له مجالس يخلو فيها يحاسب نفسه ويتذكر ذنوبه ويستغفر منها.
أيها الأحبة: لقد كان المسلمون يعيشون مع القرآن فعلا وواقعا عاشوا مع الآخرة واقعا محسوسا، لقد كانوا يشعرون بالقرآن ينقل إليهم صوت النار وهي تسري وتحرق وإنه لصوت تقشعر منه القلوب والأبدان كما أحس عليه الصلاة والسلام برهبة هذا الأمر وقوته حتى أنه وعظ أصحابه يوما فقال: ((إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله عز وجل، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله والله لوددت أني شجرة تعضد)) رواه البخاري وفي رواية قال: ((عرضت علي الجنة والنار فلم أرى كاليوم في الخير والشر)) ثم ذكر الحديث فما أتى على أصحاب رسول الله  يوم أشد منه غطوا رؤوسهم ولهم خنين و الخنين هو البكاء مع غنّه، ولطول المطلع وشدة الحساب وتمكن العلم والمعرفة لدى رسول الله  تمنى أن يكون شجرة تقطع وينتهي أمرها فكيف بنا نحن؟ عجبا لنا نتمنى على الله الأماني مع استهتارنا بالدين وبالصلاة وبكل شيء فماذا نرجو في الآخرة؟ وكما قيل:
يـا آمنـا مـع قبـح الفعـل منـه هل
أتاك توقيـع أمـن أنت تملكه
جمـعت شيئيـن أمنـا و اتبـاع هـوى
هذا وإحداهما في المرء تهلكه
والمحسنون على درب الخوف قد ساروا
و ذلـك درب لسـت تسلـكه
فرطـت في الـزرع وقت البذر من سفه
فكيف عند حصاد الناس تدركه
هذا وأعـجب شيء فيـك زهـدك فـي
دار البقاء بعيش سوف تتركه
نعم والله هذا حال الكثير من الناس اليوم لا يريدون أن يعملوا ولا يريدون أن يتذكروا فإذا ذكرت لهم النار قالوا: لا تقنط الناس، وهذا والله هو العجب العجاب يريدون أن يبشروا بالجنة ولا يذكروا بالقيامة وأهوالها ولا بالنار وسمومها وعذابها وهم على ما هم فيه من سيئ الأعمال وقبيح الصفات، قال: الحسن البصري: لقد مضى بين أيديكم أقوام لو أن أحدهم أنفق عدد هذا الحصى، لخشي أن لا ينجو من عظم ذلك اليوم، وقد ورد في الترمذي عن أبي هريرة   عن النبي  أنه قال: ((ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها)) والسبب في ذلك ضعف جانب الخوف عند هؤلاء، لقد كان بعض السلف من شدة خوفه ووجله وكثرة تفكيره في أحواله الآخرة لا يستطيع النوم ولا الضحك ولا اللهو حتى يعلم أهو من الناجين أم لا، فهذا شداد بن أوس  كان إذا دخل الفراش يتقلب على فراشه لا يأتيه النوم ويقول (الله إن النار أذهبت مني النوم فيقوم يصلي حتى يصبح)، وهذا منصور بن المعتمر كان كثير الخوف والوجل كثير البكاء من خشية الله قال عنه زائدة بن قدامة: إذا رأيته قلت: هذا رجل أصيب بمصيبة ولقد قالت له أمه: ما هذا الذي تصنع بنفسك تبكى عامة الليل، لا تكاد أن تسكت لعلك يا بنيّ أصبت نفسا، أو قتلت قتيلا؟ فقال: يا أمه أنا أعلم بما صنعت نفسي، وهذا معاذ بن جبل   لما حضرته الوفاة جعل يبكي، فقيل له: أتبكي وأنت صاحب رسول الله  وأنت وأنت؟ فقال: ما أبكي جزعاً من الموت أن حل بي ولا دنيا تركتها بعدي، ولكن هما القبضتان، قبضة في النار وقبضة في الجنة فلا أدري في أي القبضتين أنا. يقول الحسن بن عرفه: رأيت يزيد بين هارون بواسط وهو من أحسن الناس عينين، ثم رأيته بعد ذلك بعين واحدة ثم رأيته بعد ذلك وقد ذهبت عيناه فقلت له: يا أبا خالد ما فعلت العينان الجميلتان، فقال: ذهب بهما بكاء الأسحار.
والبكاء من خشية الله سمة العارفين قال عبد الله بن عمرو بن العاص : لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بمئة ألف درهم.
ولما جاء عقبة بن عامر إلى النبي  يسأله: ما النجاة؟ نعم والله ما النجاة كيف ننجو من عذاب الله؟ فقال له: ((أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك)) وفي رواية قال: ((طوبى لمن ملك نفسه ووسعه بيته وبكى على خطيئته)).
وقد بين  أن من بكى من خشية الله فأن الله يظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله فقال ((...ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)) بل حرم الله النار على من بكى من خشيته قال  : ((لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع))، وفي رواية قال: ((حرمت النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله)) وكلا الحديثين صحيح.
وفي الأثر الإلهي: ((ولم يتعبد إلي المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي)).
أيها المسلمون :إن سلفنا الصالح كانوا يتوجهون إلى الله في خشية وبكاء ووجل وطمع الخوف من عذاب الله والرجاء في رحمته والخوف من غضبه والطمع في رضاه والخوف من معصيته والطمع في توفيقه   يدعون ربهم خوفا وطمعا   والتعبير القرآني يصور هذه المشاعر المرتجفة في الضمير بلمسة واحدة حتى لكأنها مجسّمة ملموسة   إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين  إنها الصورة المشرقة المضيئة لسلفنا الصالح رضوان الله عليهم كانوا يخافون ويرجون وكانوا يبكون حتى يؤثر فيهم البكاء فبكاؤهم ثمرة خشيتهم لله قال تعالى عنهم:   ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا   وقال أيضا:   والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ، فبالخوف والخشية تحترق الشهوات وتتأدب الجوارح ويحصل في القلب الذبول والخشوع والذلة والاستكانـة والتواضع والخضوع، ويفارق الكبر والحسد، بل يصير مستوعب الهم يخوفه والنظر في خطر عاقبته، فلا يتفرغ لغيره ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والمحافظة على الأوقات واللحظات ومؤاخذة النفس بالخطرات والخطوات والكلمات، ويكون حاله حال من وقع في مخالب سبع ضار لا يدري أنه يغفل عنه فيفلت أو يهجم عليه فيهلك، فيكون ظاهره وباطنه مشغولا بما هو خائف منه لا متسع فيه لغيره. هذا حال من غلبه الخوف واستولى عليه وهكذا كان حال جماعة من الصحابة والتابعين يقول بلال بن سعد: عباد الرحمن، هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئا من أعمالكم تقبلت منكم أو شيء من خطاياكم غفرت لكم والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم كلكم ما افترض عليكم من العبادة، وتنافسون في جنة  أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ، ويقول أيضا: رب مسرور مغبون، ورب مغبون لا يشعر، فويل لمن بان له الدليل ولا يشعر يأكل ويشرب ويضحك، وقد حق عليه في قضاء الله عز وجل أنه من أهل النار فيا ويل لك روحا والويل لك جسدا فلتبك ولتبك عليك البواكي لطول الأبد. فبمثل هذه العبارات كان الرسول وكان السلف يجاهدون أنفسهم ويعظون غيرهم حتى ينتبه الناس من غفلتهم ويصحوا من رقدتهم ويفيقوا من سكرتهم رجاء أن يدركوا من سبقهم إلى الطريق المستقيم ويكون الخوف دافعا لهم على الاستقامة ما كانوا على وجه الأرض أحياء مكلّفين.
وفي الختام أحب أن أذكر نماذج من خوف بعض الصحابة والتابعين:
فهذا أبو بكر   أفضل رجل في هذه الأمة بعد رسول الله نظر إلى طير وقع على شجرة فقال: ما أنعمك يا طير، تأكل وتشرب وليس عليك حساب وتطير ليتني كنت مثلك، وكان   كثير البكاء وكان يمسك لسانه ويقول: (هذا الذي أوردني الموارد) وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله، وهذا عمر الرجل الثاني بعد أبي بكر قال لابنه عبد الله وهو في الموت: (ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني ثم قال: بل ويل أمي إن لم يغفر لي ويل أمي إن لم يغفر لي)، وأخذ مرة تبنة من الأرض فقال: (ليتني هذه التبنة ليتني لم أكن شيئا، ليت أمي لم تلدني، ليتني كنت منسيا)، وكان  يمر بالآية من ورده بالليل فتخيفه، فيبقى في البيت أياما معاد يحسبونه مريضا، وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء، وهذا عثمان   كان إذا وقف على القبر يبكي حتى يبل لحيته وقال: (لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصيرُ)، وهذا علي  كما وصفه ضرار بن ضمرة الكناني لمعاوية يقول: كان والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، ويتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدمعة طويل الفكرة يقلب كفيه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما خشن كان والله كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه يميل في محرابه قابضا على لحيته يضطرب ويتقلب تقلب الملسوع ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه وهو يقول: يا ربنا يا ربنا، يتضرع إليه يقول للدنيا: إلي تعرضت، إلي تشوفت، هيهات هيهات غري غيري قد طلقتك ثلاثا فعمرك قصير ومجلسك حقير وخطرك يسير، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق. فوكفت دموع معاوية  على لحيته ما يملكها وجعل ينشفها بكمه وقد اختنق القوم بالبكاء وهو يقول: هكذا والله كان أبو الحسن.
وهذا ابن عباس  كان أسفل عينيه مثل الشّراك البالي من البكاء.
وهذا أبو عبيدة  يقول عن نفسه: وددت أني كنت كبشا فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي ويشربون مرقي، وهكذا كان حال صحابة رسول الله مع أنهم كانوا مبشرين بالجنة فهذا علي رضي الله عنه يصفهم ويقول: لقد رأيت أصحاب محمد   فلم أرَ أحدا يشبههم منكم لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا وقد باتوا سجدا أو قياما، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقعون على مثل الجمر من ذكر معادهم كأن بين أعينهم ركب العزي من طول سجودهم إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبتل جيوبهم ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفا من العقاب ورجاء للثواب. وهذا سفيان الثوري رحمه الله يقول: والله لقد خفت من الله خوفا أخاف أن يطير عقلي منه وإني لا أسأل الله في صلاتي أن يخفف من خوفي منه.
أيها الإخوة: هل من مشمر؟ هل من خائف؟ هل من سائر إلى الله؟ بعد هذا الذي سمعناه أرجو أن نكون مثل سلفنا علما وعملا خوفا ورجاء ومحبة فإن فعلنا ذلك كنا صادقين وكنا نحن المشمرين إن شاء الله.


الخطبة الثانية
الحمد لله وحده والصلاة و السلام على من لا نبي بعده.
ثم أما بعد:
أيها الإخوة: لم يكن سلفنا الصالح يخافون ويبكون ويتضرعون نتيجة تقصيرهم أو نتيجة عصيانهم وكثرة ذنوبهم، كلا بل كانوا يخافون أن لا يتقبل الله منهم ولهذا لما سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله  عن قوله تعالى:   والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون  أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: ((لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه))، قال الحسن: عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانا وخشية وإن المنافق جمع إساءة وأمنا.
وكان خوفهم أيضا من أن يسلب أحدهم الإيمان عند قوته يقول ابن المبارك: إن البصراء لا يأمنون من أربع خصال: ذنب قد مضى لا يدري ما يصنع الرب فيه، وعمر قد بقي لا يدري ما فيه من الهلكات، وفضل قد أعطي لعله مكر واستدراج وضلالة قد زينت له فيراها هدى ومن زيغ القلب ساعة ساعة أسرع من طرفة عين قد يسلب دينه وهو لا يشعر.
وهذا سفيان الثوري رحمه الله كان يكثر البكاء فقيل له: يا أبا عبد الله بكاؤك هذا خوفا من الذنوب، فأخذ سفيان تبناً وقال: والله للذنوب أهون على الله من هذا ولكن أخاف أن أسلب التوحيد. وهذا أبو هريرة  كان يقول في آخر حياته: (اللهم إني أعوذ بك أن أزني أو أعمل كبيرة في الإسلام)، فقال له بعض أصحابه: يا أبا هريرة ومثلك يقول هذا أو يخافه وقد بلغت من السن ما بلغت وانقطعت عنك الشهوات، وقد شافهت النبي   وبايعته وأخذت عنه، قال: (ويحك، وما يؤمنني وإبليس حي).
وكان بلال بن سعد يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من زيغ القلوب، وتبعات الذنوب ومن مرديات الأعمال ومضلات الفتن، قال أبو الدرداء : (مالي لا أرى حلاوة الإيمان تظهر عليكم، والله لو أن دب الغابة وجد طعم الإيمان لظهر عليه حلاوته، ما خاف عبد على إيمانه إلا منحه وما أمن عبد على إيمانه إلا سلبه) وكان من دعائه : (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ويا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك وطاعة رسولك)، ولما احتضر عمر بن قيس، الملائي بكى فقال له أصحابه: على ما تبكي من الدنيا فوالله لقد كنت غضيض العيش أيام حياتك فقال: والله ما أبكي على الدنيا وإنما أبكي خوفا من أن أحرم الآخرة.
يقول الإمام الغزالي: ولا يسلم من أهوال يوم القيامة إلا من أطال فكره في الدنيا فإن الله لا يجمع بين خوفين على عبد فمن خاف هذه الأهوال في الدنيا أمنها في الآخرة وليست أعني بالخوف رقة كرقة النساء تدمع عينيك ويرق قلبك حال الموعظة ثم تنساه على القرب، وتعود إلى لهوك ولعبك، فما هذا من الخوف في شيء فمن خاف شيئا هرب منه، ومن رجا شيئا طلبه، فلا ينجيك إلا خوف يمنعك من المعاصي ويحثك على الطاعة، وأبعد من رقة النساء خوف الحمقى إذا سمعوا الأهوال سبق إلى ألسنتهم الاستعاذة فقال أحدهم: استعنت بالله اللهم سلم سلم، وهم مع ذلك مصرون على المعاصي التي هي سبب هلاكهم، فالشيطان يضحك من استعاذته كما يضحك على من يقصده سبع ضار في صحراء ووراءه حصن فإذا رأى أنياب السبع وصرلته من بعد قال بلسانه: أعوذ بهذا الحصن الحصين وأستعين بشدة بنيانه وإحكام أركانه، فيقول ذلك بلسانه وهو قاعد في مكانه فأني يغني عنه ذلك من السبع وكذلك أهوال الآخرة ليس لها حصن إلا قول: لا إله إلا الله صادقا ومعنى صدقه أن لا يكون له مقصود سوى الله تعالى ولا معبود غيره)، فالله أسأل أن يجعلنا ممن إذا خافه أطاعه وابتعد عن معاصيه.

خطبه الجمعه مكتوبه بعنوان الصغائر و الكبائر


خطبه الجمعه بعنوان الصغائر و الكبائر

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لو جلسنا إلى جماعة من المؤمنين ربما لا تجد فيهم مرتكب كبيرة، ولكن ما الذي أهلك المسلمين ؟ يقول عليه الصلاة و السلام:
((إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم و لكن رضي فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم ))
فالموضوع اليوم يتحدث عن الصغائر كما يتوهمها الناس، لكنهم إذا أصروا عليها انقلبت إلى كبائر تقطعهم عن الله عز وجل.
أيها الإخوة الكرام، بعض الأئمة أنكر أن في الذنوب صغيرة، بل قالوا سائر المعاصي كبائر، و بعضهم قال: معاصي الله تعالى كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها:صغيرة وكبيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، و بعضهم يقول: لا يمكن أن يقال في معصية: إنها صغيرة إلا على معنى أنها تصغر باجتناب الكبائر، و بعض العلماء يقول: كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة، لكن لا خلاف أن من المعاصي ما يقدح في العدالة، ومنها ما لا يقدح، لعلهم اصطلحوا على تسمية المعاصي التي تقدح في العدالة كبائر، و التي لا تقدح صغائر، و لكن القول الفيصل يقول بعض الصحابة الكرام:
((لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت ))
الله سبحانه و تعالى يقول:
﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾
[ سورة الحجرات: الآية 7]
فمن خلال هذه الآية رتبت المعاصي على ثلاثة أصناف: معصية ترقي إلى مستوى الكفر، و معصية ترقى إلى مستوى الفسوق، و معصية تبقى في حيز المعصية.
أيها الإخوة الكرام، لعل تقسيم الذنوب إلى كبائر و صغائر من قبل عظم المفسدة، فمن نقل لأعداء المسلمين أخبارهم ونقاط ضعفهم كان سبباً في إهلاكهم فهذه معصية كبيرة جداً، فإذا كان التقسيم على مستوى رقعة المفسدة وعمقها وشدتها يمكن أن تقسم الذنوب إلى كبائر و إلى صغائر، لكن العلماء أحصوا مقاييس تقاس بها الكبائر، من هذه المقاييس أنه ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة فهو كبيرة، إذا ورد في الكتاب أو السنة وعيد شديد على مخالفة أو معصية فهي كبيرة قولاً واحداً، وفي مقياس آخر أيتو معصية أوجبت حداً فهي كبيرة، و بعد قليل ترون أنه الأولى أن تجمع المقاييس كلها، فكل معصية ورد في الكتاب و السنة وعيد شديد عليها فهي كبيرة، و كل معصية أوجبت حداً فهي كبيرة، كل معصية ورد عليها وعيد شديد كالربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، والسحر و النميمة، وشهادة الزور،  والقوادة، والدياسة وغيرها، و في مقياس ثالث أن كل ما نص الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حداً و الكذب في الشهادة و الرواية و اليمين فهو من الكبائر، و في رأي لبعض العلماء أن الذي يخالف إجماع المسلمين فقد وقع في كبيرة لأن في الحديث عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ...))
[ ابن ماجه ]
فحينما يأتينا كتاب معاصر يفهم القرآن فهماً ما يخطر في بال إنسان من بعثة النبي إلى الآن خالف إجماع المسلمين في كل عصورهم، وغطى ببعض الآيات كل المعاصي والآثام، فحينما تأتي برأي يخالف إجماع المسلمين على تتالي عصورهم فهذا كبيرة من أكبر الكبائر.
ومن الكبائر أيضاً أي كلام أو سلوك يراد منه استهزاء للدين، أو استهزاء لعبادات الدين، أو استهزاء بأحكام الدين، أو استهزاء بمقدسات الدين، أو استهزاء بالأئمة الذين عملوا بما علموا من كبار المسلمين، فالاستهزاء بهؤلاء كبيرة
لكن العلماء استدركوا أن الاستهزاء بأصل الدين هو كفر وليس كبيرة، وبعضهم قال: كل معصية أوجبت حداً أو توجه إليها وعيد فهي كبيرة. وبعضهم قال: كل ما وجب فيه حد أو ورد فيه وعيد أو جاءت فيه لعنة فهو كبيرة.
أيها الإخوة الكرام، أشم من هذه التعاريف أن المعصية ترافقها حالة نفسية إن رافق المعصية خوف من الله شديد وندم شديد وشعور بالذنب شديد، ثم تبعها استغفار شديد الحالة التي رافقت هذه المخالفة من شعور بالذنب من ندم على فعله من خوف من عقاب الله من استغفار كثير هذه الحالة النفسية حينما ترافق معصية تجعلها صغيرة بينما أدنى مخالفة إذا رافقها إصرار عليها واعتداد بها وافتخار بفعلها وعدم الخوف من عقابها وعدم الاستغفار منها انقلبت هذه المعصية إلى كبيرة، وهذا الفهم مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم:
((لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ))
فالمعصية مهما بدت لك صغيرة إذا أصررت عليها، ولم تعبأ بها وصغرت بعينك، ولم يعقبها ندم ولا استغفار ولا خوف انقلبت هذه المعصية الصغيرة إلى كبيرة بنص كلام النبي صلى الله عليه وسلم:
((لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ))
أيها الإخوة الكرام، كنت شبهت الصغيرة بأن راكب مركبة حرف المقود درجة واحدة، إذا ثبت هذا الانحراف لابد من أن يسقط في الوادي، فالثبات على الانحراف مهلك يؤكد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:
((إن الشيطان يأس أن يعبد في أرضكم ولكن رضي فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم))
أيها الإخوة الكرام، قال بعض العلماء: الصغيرة تنقلب كبيرة بقرينة تضم إليها، وتنقلب الكبيرة صغيرة بقرينة تنضم إليها، فشعور الإنسان بالندم والخوف والاستغفار والتوبة يجعل المعصية صغيرةً.
عدم المبالاة، استصغار الذنب، المباهاة به، يجعل الصغيرة كبيرة.
أيها الإخوة الكرام، وبعضهم يقول: الكبائر كل فعل نص الكتاب على تحريمه بلفظ التحريم كأكل لحم الميتة والخنزير ومال اليتيم والفرار من الزحف.
أيها الإخوة، الكبائر لا نجد نصاً جامعاً يحصرها لحكمة كبيرة أرادها الله عز وجل، ذلك أن الله سبحانه وتعالى أخفى الصلاة الوسطى، وأخفى ليلة القدر، وأخفى ساعة الإجابة، فلو أن هناك نصاً جامعاً مانعاً يحصر الكبائر لاقتحم الناس الصغائر تهاوناً فانقلبت هذه الصغائر إلى كبائر، لكن في الأحاديث سبعة وعشرة، وبعضهم عدها سبعين، وابن عباس رفعها إلى سبعمئة.
المعصية إذا رافقها شعور بالخطأ والذنب والخوف والندم والاستغفار والتوبة انقلبت إلى صغيرة، المعصية التي تراها صغيرة وتعدها من اللمم ولا تعبأ بها إذا فعلتها مصراً عليها مفتخراً بها مدافعاً عنها لم يعقبها توبة ولا ندم ولا استغفار انقلبت هذه المعصية إلى كبيرة، وكانت حجاباً بينك وبين الله، لو أن في بيت عشرات الأجهزة الكهربائية إذا قطعت التيار وأبعدت طرفيه ميليمتراً واحداً تعطلت كل هذه الأجهزة إذا أبعدته إلى متر بينهما تعطلت، كل هذه الأجهزة إذاً العبرة أن لا تكون محجوباً عن الله عز وجل لا بصغيرة ولا بكبيرة.
أيها الإخوة الكرام، لكن هناك من يقول إذا أردت الفرق بين الصغيرة والكبيرة فعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل الكبائر فهي صغيرة، وإلا فهي كبيرة، أما إذا أصررت عليها فهي كبيرة أيضاً.
مما قيل من شتم الرب، هؤلاء الذين يسبون الدين، وكأنهم ما فعلوا شيئاً، هذا السباب من أكبر الكبائر، أو استهان برسول الله أو بأحد رسله، أو استهان بالمصحف، إن هذا من أكبر الكبائر.
أيها الإخوة الكرام، من دل الكفار على عورة المسلمين، هذا الذي يدل أعداءنا على مواقع المقاتلين على مواقع المقاومين على بيوتهم على أسمائهم على مركباتهم فيأتي الصاروخ فيقتلهم هذه من أكبر الكبائر، أن تدل الكفار على عورة المسلمين، مع علمه بأنك حينما تدلهم على عورتهم يستأصلونهم، ويسبون حريمهم وأطفالهم، ويغنمون أموالهم، فهذه تدرك بالفطرة أنها من أكبر الكبائر.
لو كذبت كذبةً سببت دمار أسرة، لو كذبت كذبة سببت تشتيت أولاد، سببت طلاق زوجة فهي من أكبر الكبائر، وقذف محصنة يبطل عمل مئة سنة كما قيل.
أيها الإخوة الكرام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ ))
[ البخاري، مسلم، النسائي، أبو داود ]
سبع موبقات ما بال بعض المسلمين في مجالسهم يتحدثون عن النساء يلقون التهم جزافاً من دون دليل من دون شاهد يسمرون، ويتسلون بالحديث عن النساء وعن الرجال وعن مشكلات المسلمين بما فيه غيبة ونميمة وإفك وبهتان.
وفي رواية لهما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ ))
[ البخاري، الترمذي، النسائي، أحمد، الدارمي]
كم يمين غموس يحلف بها في قاعات المحاكم زوراً وبهتاناً ؟ إن هذه اليمين تغمس صاحبها في النار، إن هذه اليمين لا كفارة لها لأنها تخرج من الملة، وقول الزور أن تشهد شهادة زور تقتطع بها حق امرئ مسلم هذا من أكبر الكبائر.
عن ابن عباس أنه سئل كم الكبائر أسبع هي قال:
(( هي إلى سبعمئة أقرب منها إلى سبع غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار ))
أيها الإخوة الكرام، من مفردات الكبائر الشرك والقتل والزنا وأفحشه بحليلة الجار ويضاف إليه المحارم، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، والسحر، والاستطالة في عرض المسلم بغير الحق، نفس الأعراض الغيبة، الكلام الذي يجرح المؤمنين، قالت: إنها قصيرة، السيدة عائشة رضي الله عنها وصفت ضرتها بأنها قصيرة فقال :
((يا عائشة لقد قلت كلمةً لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ))
كلمة قصيرة فما قولكم بما فوق القصيرة، والسحر والاستطالة في عرض المسلم، وشهادة الزور، واليمين الغموس، والنميمة، والسرقة، وشرب الخمر، واستحلال بيت الله الحرام، ونكث الصفقة، أن تعاهد، ثم تنكث أن تبايع، ثم تقاتل، وترك السنة، والتعرب بعد الهجرة.
لا يوجد مثل معاصر كهذا المثل ؛ إنسان في بلاد الغرب شعر بتعذيب الضمير أراد أن يخدم أمته، فترك موطنه هناك الطارئ، وعاد إلى بلاد المسلمين ليبتغي رضوان الله عز وجل، أزعجته بعض الأشياء فعاد إلى هناك.
هذا التعرب بعد الهجرة، يعني بعد أن هاجر، وعاهد النبي وجد في القتال مشقة فعاد إلى البادية، وأصبح أعرابياً، ونقض عهده مع النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي يأتي إلى بلاد المسلمين لينفعهم ليخدمهم يبتغي رضوان الله، ثم تزعجه بعض الصغائر فيعود إلى ما كان عليه، فهذا من نوع التعرب بعد الهجرة، واليأس من روح الله، يكفي أن تقول انتهى المسلمون، أعداؤهم أقوياء جداً، إذا قلت انتهينا يأساً من روح الله فهذا من أكبر الكبائر ما عند الله لا يعلمه أحد، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، أن تعتدي على أموال الناس على أعراضهم، وأنت واثق من نفسك، وأنت واثق من المستقبل: وتقول: لن يصيبني شيء هذا من أكبر الكبائر.
ومنع ابن السبيل من فضل الماء، وعدم التنزه من البول، وعقوق الوالدين والتسبب في شتمهما، والإضرار في الوصية، أحد المسلمين يعبد الله ستين عاماً، ثم يضر في الوصية فتجب له النار.
أيها الإخوة الكرام، هذه الخمس والعشرون جاء فيها أحاديث صحيحة تجعلها من الكبائر، يزاد عليها الغلول من الغنيمة، الإلحاد بالبيت، سوء الظن بالله هذا أيضاً من الكبائر.
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ))
[البخاري]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
((سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ ؟ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ: وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ:ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ))
[البخاري]
الذي يخاف من إنسان قوي قابع في طرف الدنيا الآخر لا يخاف إلا منه هذا وقع في أكبر الكبائر، أن تجعل لله نداً وهو خلقك،
((ثُمَّ أَيُّ قَالَ وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ))
هذا الذي يئد الفتاة وهي صغيرة هي تدخل الجنة، لأنها غير مكلفة، أما هذا الذي يطلقها تفعل ما تشاء فتفتن شباب المسلمين ألم يقتلها حقيقةً ؟ لذلك هذه الفتاة الذي أطلقها أبوها ترتدي ما تشاء، وتتزين كما تشاء، وتظهر مفاتنها كما تشاء، هذه يوم القيامة سوف تقف وتقول: يا رب لا أدخل النار حتى أُدخل أبي قبلي،
(( قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ))
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ))
[مسلم ]
وفي رواية أن هذه الأخيرة من أكبر الكبائر.
أيها الإخوة الكرام، قذف المحصنات الغافلات المؤمنات أكل مال اليتيم أكل الربا التولي يوم الزحف اليمين الغموس العقوق الشرك القتل هذه كلها من الكبائر.
والخمر أيضاً من أكبر الكبائر، وهي أم الفواحش فمن شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته، ومن أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق، أن تتجنى على مسلم أن تلصق به تهمةً، وهو منها بريء هذا من أكبر الكبائر.
من أربى الربا استطالة في عرض المسلم بغير الحق، وفي حديث آخر رواه البزار أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر فقال:
((الشرك بالله واليأس من روح الله ))
وقد وقع معظم المسلمين بهذه الكبيرة.
والأمن من مكر الله وهذا أكبر الكبائر.
أيها الإخوة الكرام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ:
((ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ ))[البخاري]


وفي حديث آخر عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ وَالدَّيُّوثُ وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى )) [النسائي، أحمد ]
وفي حديث آخر عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ خَمْسٍ مُدْمِنُ خَمْرٍ وَلَا مُؤْمِنٌ بِسِحْرٍ...))، آلاف مؤلفة من الأسر الإسلامية تذهب إلى السحرة لتحل مشكلاتهم.
((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ خَمْسٍ مُدْمِنُ خَمْرٍ وَلَا مُؤْمِنٌ بِسِحْرٍ، ولَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَلَا كَاهِنٌ وَلَا مَنَّانٌ ))[أحمد، مالك ]
وحينما تذبح لغير الله، عَن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسِرُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ: فَغَضِبَ وَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيْئًا يَكْتُمُهُ النَّاسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ حَدَّثَنِي بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعٍ قَالَ فَقَالَ: مَا هُنَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: قَالَ:
((لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ ))[ مسلم، النسائي، أحمد ]
آوى محدثاً أحدث بدعةً أحدث فتنة آويته.
منار الأرض أي طرقها.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَشْهَدُ لَقَدْ سَمِعْتُ سَالِمًا يَقُولُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((ثَلَاثٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ وَالِدَيْهِ وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ الْمُتَشَبِّهَةُ بِالرِّجَالِ وَالدَّيُّوثُ وَثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ وَالِدَيْهِ وَالْمُدْمِنُ الْخَمْرَ وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى))[أحمد، النسائي ]
ورجلة النساء المرأة المسترجلة، ترتدي ثياب الرجال، وتتواقح، وتحد النظر إليهم، وتعلق تعليقات لا تليق بأنوثتها، فهذه المرأة المسترجلة لا تدخل الجنة.
بعض العلماء قال: الكبائر أربع في القلب الشرك والإصرار على المعصية والقنوط والأمن من مكر الله، أربع كبائر في القلب، وأربع في اللسان، القذف، وشهادة الزور، والسحر واليمين الغموس، وثلاث في البطن، أكل مال اليتيم، وأكل الربا، وشرب كل مسكر، واثنتان في الفرج، الزنا واللواط، واثنتان في اليد، القتل والسرقة، وواحدة في الرجل، الفرار من الزحف.
يا ايها المسلمون حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، موضوع دقيق اهتمامات الإنسان أنت بماذا تهتم ؟ اهتمامات الإنسان مرتبطة بأهدافه في الحياة، وأهدافه في الحياة مشتقة من تصوراته عن الكون والحياة، والإنسان وهذه التصورات محصلة اعتقاده، فمن صح اعتقاده صحت تصوراته، وسمت أهدافه، وارتفعت اهتماماته، ومن فسدت عقيدته فسدت تصوراته، وانحطت أهدافه، وسقطت اهتماماته.
أيها الإخوة الكرام، الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك لابد للعقل من غذاء وهو العلم، ولا بد للقلب من غذاء وهو الحب، ولابد للجسد من غذاء، وهو الطعام والشراب، وهذا الجسد كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ...))
[ مسلم، ابن ماجه، أحمد ]
قوة الجسد جزء من عبادة الإنسان، لأن الجسد وعاء عملك، وهو ملك أسرتك، وملك أمتك، فالعناية بالجسد ضرورة وعبادة، وجزء من الدين بل بعضهم يقول: في حياة الإنسان ثلاث كليات ؛ علاقته بربه، وعمله، وصحته، أي خلل في أحد هذه الثلاث ينعكس على الاثنتين، فمن اختلت صحته انعكس هذا على عمله، فإذا كان ضعيف الإيمان انعكس هذا على علاقته بربه، وإن اختل عمله انعكس هذا على صحته وعلى علاقته بربه، وإن اختلت علاقته بربه انعكس هذا على صحته وعلى عمله، فلا بد من أن نعتني بصحتنا، أما أن تغدو الرياضة ديناً فهذا شيء غير مقبول، أذكر أنني سمعت شريطاً لخطيب من خطباء مصر وجد رواد المسجد قلة، فسأل: ما السبب ؟ فقالوا: إن القاهرة كلها زحفت لتشهد مباراةً رياضية فيها اعتزال بطل اسمه زيزو، اعتزل اللعب، هو تساءل هذا الخطيب ماذا فعل هذا الإنسان ؟ استجمع أهداف الأمة لعله، وحد المسلمين، لعله وحد العرب، لعله استرجع القدس، لعله استرد فلسطين من الصهاينة، لعله نهض بالأمة نهضةً اقتصادية، وفرت لكل شاب عملاً، ذكر أهدافاً كبيرة من أهداف الأمة، ثم علم أن هذا رياضي اعتزل اللعب، عندئذ توجه بالدعاء إلى الله قال: اللهم اجعلنا في بركات زيزو، اللهم احشرنا مع زيزو، اللهم أدخلنا في شفاعة زيزو.
أما أن تغدو الرياضة ديناً هذا انحراف خطير في حياة المسلمين، لا أقول من فراغ، أنقل لكم من موقع معلوماتي قولاً لشاب وفتاة، يقول الشاب: إنني أعترف أنني أعشق كرة القدم أكثر من أي شيء آخر في هذا الوجود.
ذكرني هذا بحديث
(( حتى يكون الله ورسوله أحب إليك من نفسك ومالك وولدك والناس أجمعين ))
فهذا الكرة عنده أحب إليه من نفسه ومن ماله ومن ولده والناس أجمعين.
قال: أنا أحب راؤول وزيدان والطيلاني ومالديني أكثر من أمي وأبي وإخوتي وأصدقائي أفضل مشاهدة مباراة في كرة القدم على أي شيء آخر في الحياة، أقتطع بعض كلماته.
فتاة تقول: إن كل فتاة تحلم بالزواج من شاب وسيم أنيق ذو منصب هام وشخصية قوية، أما أنا فأتمنى الزواج من لاعب كرة محترف، وأن يعقد عقد قراننا في ملعب كرة قدم، وأن يكون الكأس مهري، ثم أحلم أن ألعب، وإياه كرة القدم وطفلانا الصغيران يصفقان لنا.
ويقول بعضهم: أتمنى أن تجري في عروق دمي كرات الملاعب، بدل كرات الحمراء والبيضاء، هذا كلام يؤكده ما نشاهده الآن من اهتمام منقطع النظر.
أيها الإخوة، أن تغدو هذه اللعبة ديناً، أن ننسى به طاعة ربنا، أن ننسى به واجباتنا، أن يصبح الفوز فيها أعظم نجاح في الأرض، الأمة العربية والإسلامية أمامها أهداف لا تعد ولا تحصى، فهل يكفي أن تدخل هذه الكرة في هذا المكان حتى نحقق أهدافنا، هناك رئيس دولة استخفه الطرب بالفوز فرقص، سمعتم هذا، أن تغدو هذه اللعبة ديناً هذه مشكلة كبيرة.
أنا أقول: العناية بالجسم ضرورة وفريضة، إنه وعاء عملك، أما دينك محبة الله ورسوله دينك فينبغي أن يكون المبادرة إلى طاعته، لذلك قل لي بماذا تهتم أقل لك من أنت.
ينبغي أن تهتم بمعرفة ربك، أن تهتم بطاعة هذا الإله العظيم، أن تهتم بعمل يدخلك الجنة، أما في الدنيا فأن تهتم بحمل هموم الأمة، أن تهتم برفع المعاناة عنها، أن تخفف من متاعبها، أن تقوي أفرادها، مليون هدف سام، إذا سعيت إليه تحقق آمالك، ويرضى عنك إلهك، أما إذا اهتممت بكرة تدخل من مكان إلى آخر ماذا حققنا ؟
والله سمعت خبراً قبل يومين أن عصابة في بعض الدول من المشجعين حينما خسر فريقهم أحرقت المحلات، وأحرقت السيارات، واضطرت الدولة أن تفرز لهم ألف ضابط وشرطي لكبح جماحهم، أهذه هي الرياضة ؟
أيها الإخوة الكرام، إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها ودنيها، يحب معالي الأمور، مادامت الرياضة من أجل تقوية أجسامنا فشيء جيد، أما أن تكشف فيها العورات شيء مخالف للكتاب والسنة مادامت الرياضة تسمو كما يقولون بمشاعرنا لا بأس، أما حينما تجعل من الخاسر مجرماً ما هذه الرياضة.
أيها الإخوة الكرام، أرجو الله سبحانه أن نكون كما قال e في هذا الحديث، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ ))
[ الترمذي، أحمد ]
والخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة.
اللهم اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك اللهم لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، و إنه لا يذل من واليت و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، و لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، أكرمنا و لا تهنا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا و ارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، و أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، و اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، و بفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، و لا تهتك عنا سترك، و لا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك و رحمتك أعل كلمة الحق و الدين، و انصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك و المشركين، خذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، و بالإجابة جدير.